منظمة المجتمع العلمي العربي
العودة للإصدارات

الصفراء والمَرارَة في الطب الرافديني

تحرير: د. موزة بنت محمد الربان
2026-01-04
الصفراء والمَرارَة في الطب الرافديني .

إذا كانت المقالات السابقة قد أبرزتْ كيف (تتكلم) نصوص نينوى طبيًّا عبر الوصف والوصفة، فإنّ ملفَّ الصُّفْراء/المَرارَة يفتح لنا بابًا جديدًا: كيف تتحوَّلُ «السوائل» من مجرّد مكوّنات في الجسد إلى لغة تشخيصيّة ومادّة علاجيّة في آنٍ واحد.

1‏‏)‏‏ الكتابُ المرجع ‏‏(‏‏BAM 11‏‏)‏‏ ولماذا يهمّنا هنا؟

صدر حديثًا المجلّدُ الحادي عشر من سلسلة: Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen

بعنوان: Gastrointestinal Disease and Its Treatment in Ancient Mesopotamia: The Nineveh Treatise  ‏‏(‏‏جونسون وسيمكو، 2024‏‏)‏‏.

 width=

وتُعرّف صفحته بأنه أوّل تحقيق شامل لأهمّ (مُعالَجَة/موسوعة) خاصّة بأمراض الجهاز الهضميّ، وما تصفه الصفحة صراحةً بأنه أمراض مُتعلّقة بالصُّفْراء إلى جانب الحُمَّيات. كما أن المجلّد منشور بوصفه وصولًا مفتوحًا بترخيص CC BY‑NC‑ND 4.0.

2‏‏)‏‏ من «الصُّفْراء» كدلالة إلى «الصُّفْراء» كمادّة

حين نقول «الصُّفْراء» في نصوص الرافدين فنحن أمام مستويين:

1- الصُّفْراء بوصفها علامةً ‏‏(‏‏علامة لون/سائل‏‏)‏‏: تظهر في مفردات مثل amurriqānu التي تُترجَم «يَرقان/اصفرار» ‏‏(‏‏وتُكتب لوغوغرافيًّا IGI.SIG7.SIG7 في نصوص العيون‏‏)‏‏. 2- الصُّفْراء بوصفها مادّة دوائيّة: تُذكر «الصُّفْراء/المرارة» ضمن مكوّنات الوصفات، وأحيانًا يُذكر العضو نفسه ‏‏(‏‏مَرارة الحيوان‏‏)‏‏ لا السائل فقط. 3- وهنا تظهر قيمة «لغة الأخلاط قبل الأخلاط»: ليس لدينا بعدُ «نظريةٌ رباعيّة» على الطريقة اليونانيّة، لكن لدينا حسٌّ طبيٌّ شديد الدقّة في ربط اللون والسائل والعضو بالعارض وبالخطة العلاجية.

3‏‏)‏‏ المصطلحان المسماريّان: و uzuZÍ ‏‏(‏‏وماذا يعنيان؟‏‏)‏‏

في معاجم العلامات المسمارية الواردة ضمن تحقيق نصوص نينوى، نجد تمييزًا دالًّا:

- uzuZÍ → martu بمعنى "مَرارة/حوصلة المرارة ‏‏(‏‏gall bladder‏‏)‏‏".

- ZÍ → martu بمعنى "الصُّفْراء/العُصارة الصفراويّة ‏‏(‏‏bile‏‏)‏‏".

واللافتُ أن المحقّقين يذكرون أنّ الفصل بين اللَّوغوغرامين ليس دائمًا يسيرًا في النصوص، وأنّ uzuZÍ قد يدلّ تخصيصًا على المرارة ‏‏(‏‏العضو‏‏)‏‏، بينما ZÍ قد يدل على الصفراء أو على «المثانة» بحسب السياق.

هذه الدقّة الاصطلاحيّة مهمّةٌ جدًا: فهي تُظهر أن الطبيب/الكاتب الرافدينيّ لم يكن يتعامل مع الجسد بوصفه كتلةً واحدة، بل بوصفه أعضاء وسوائل لكلٍّ منها «سلوك» و«أثر» و«اسم» داخل الوصفة.

4‏‏)‏‏ الصُّفْراء كعَرَضٍ يُرى… «اليرقان» في العينين

قد يدهشنا أن يَرِد «اليرقان» في نصوص طبّ العيون، لكن هذا منطقٌ سريريٌّ بامتياز: العينُ مرآةُ اللون. ففي إحدى فقرات IGI 2 يَرِد تشخيص واضح: «إذا كانت عينا الرجل ممتلئتَين اصفرارًا ‏‏(‏‏يرقانًا‏‏)»، ثم تتبعها وصفة تعتمد قشر الرمان ‏‏(‏‏تُسحق وتُستعمل عبر قصبة/قشّة‏‏)‏‏ مع بدائل تحضير أخرى بالزيت أو بالمحلول الملحي.

نقطة المقال هنا ليست إعادة شرح طب العيون ‏‏(‏‏وقد تناولناه‏‏)‏‏، بل الإشارة إلى أنّ «الصُّفْراء» ليست فكرة نظرية مجرّدة؛ بل علامة قابلة للملاحظة تدخل مباشرةً في مسار تشخيصيّ علاجيّ.

5‏‏)‏‏ الصُّفْراء/المرارة كدواء: لماذا تُستعمل «مَرارة الحيوان»؟

في الوصفات الرافدينيّة لا تُستعمل النباتات وحدها؛ بل نجد مكوّنات حيوانيّة أيضًا، ومنها الصُّفْراء والمرارة. ومن أمثلة ذلك:

1- وصفة في IGI 1 تُشير إلى مزج المكوّنات «في صُفْراء كبش/خروف» قبل استعمالها في تركيبٍ يشبه «الكُحْل» ‏‏‏‏ مع تعليماتٍ موسميّة للتليين بالماء أو بعصارة نباتيّة. 2- وفي نصٍّ آخر من نصوص نينوى: يُذكر علاج يتضمّن «مَرارة خروف» مع «شحم أحمر» ويُعالجان بالملح ضمن سياق معالجة حالة مرضيّة في العين. 3- وتظهر كذلك «صُفْراء الضفدع» بوصفها مادّة دوائيّة «غريبة/نادرة»، مع تعليقٍ يربطها ‏‏(‏‏ضمن فرضٍ تفسيريّ‏‏)‏‏ بخاصيّة الترطيب في سياق علاج جفاف العين.

هل هذه الوصفات «علمٌ» بمعناه الحديث؟ ليست المسألة هنا. الأهمّ تاريخيًّا أنها تكشف عن (منطق علاجيّ متماسك):

- الصُّفْراء مادّة شديدة المرارة، وتُرى آثارها في اللون، وتخرج من عضو معروف ‏‏(‏‏المَرارة/الكبد‏‏)‏‏، - لذا تُفهم باعتبارها «قوّة» قد تُمرِض وقد تُداوي، بحسب الموضع والجرعة وطريقة التطبيق.

6‏‏)‏‏ «لغة الأخلاط قبل الأخلاط»: ماذا نستخلص؟

قبل أن تُصاغ نظرية الأخلاط فلسفيًّا، تشتغل نصوص نينوى بمنطق عمليّ يمكن تلخيصه في ثلاث أفكار:

1- السوائل تُعرَف بآثارها المحسوسة ‏‏(‏‏اللون، المرارة، الجفاف/الرطوبة‏‏)‏‏. 2- العارضُ يُقرأ على سطح الجسد ‏‏(‏‏كالاصفرار في العين‏‏)‏‏، لكنه يُحيل إلى «داخل» أعمق ‏‏(‏‏الكبد/المرارة/الجهاز الهضمي‏‏)‏‏. 3- الوصفة تُجادل المرضَ بلغته: إذا كان اللون أصفر، والمرارة مُتصوَّرة كقوّة داخليّة، فالمكوّنات «الصفراويّة» تدخل ضمن لعبة التوازن، وهذا بالضبط ما نعنيه بـ«لغة الأخلاط» على مستوى مبكّر، قبل تنظيرها الفلسفيّ اللاحق.

.

للتعريف بالمرجع الأساس للسلسلة (BAM 10) وبمراجعة الكتاب، راجع هذه الورقة المرجعية

.

المراجع:

  1. Johnson, J. Cale & Simkó, Krisztián. Gastrointestinal Disease and Its Treatment in Ancient Mesopotamia: The Nineveh Treatise‏‏(‏‏Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen, Band 11‏‏)‏‏. De Gruyter, 2024. Open Access, CC BY‑NC‑ND 4.0.
  2. Geller, Markham J. & Panayotov, Strahil V. Mesopotamian Eye Disease Texts: The Nineveh Treatise‏‏(‏‏Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen, Band 10‏‏)‏‏. De Gruyter, 2020. Open Access, CC BY‑NC‑ND 4.0.
.

البريد الإلكتروني: mmr@arsco.org

https://arsco.org/articles/article-detail-48307/ https://arsco.org/articles/article-detail-48236/ https://arsco.org/articles/article-detail-48111/ https://arsco.org/articles/article-detail-48077/ https://arsco.org/articles/article-detail-48024/
مشاركة: تحميل PDF
5 مشاهدة · 3 تحميل